top of page

25 جويلية (شهر 7): ذكرى ولادة أول طفلة بتقنية أطفال الأنابيب… 48 عامًا من الأمل والتقدم الطبي

25 جويلية: ذكرى أول طفلة أنابيب وتطور تقنيات المساعدة على الإنجاب

في الخامس والعشرين من جويلية (شهر 7) من كل عام، يستحضر العالم محطة فارقة في تاريخ الطب الحديث: ولادة لويز براون يوم 25 جويلية (شهر 7)1978 في بريطانيا، وهي أول طفلة في العالم وُلدت بعد نجاح تقنية الإخصاب خارج الجسم أو أطفال الأنابيب IVF.

جاء هذا الإنجاز نتيجة سنوات طويلة من البحث والعمل الذي قاده العالمان روبرت إدواردز وباتريك ستيبتو. وقد حصل روبرت إدواردز سنة 2010 على جائزة نوبل في الطب تقديرًا لدوره في تطوير الإخصاب خارج الجسم.

واليوم، في الذكرى الثامنة والأربعين لهذا الحدث، لم تعد تقنية أطفال الأنابيب تجربة استثنائية، بل أصبحت جزءًا أساسيًا من الطب الحديث، ومنحت ملايين الأزواج حول العالم فرصة تحقيق حلم الأبوة والأمومة.

من أول طفلة أنابيب إلى ملايين الولادات

مثّلت ولادة لويز براون بداية مرحلة جديدة في علاج العقم. وبعد أربعين عامًا فقط من ذلك الحدث، قُدّر عدد الأطفال الذين وُلدوا بفضل تقنيات الإخصاب خارج الجسم والمساعدة الطبية على الإنجاب بأكثر من ثمانية ملايين طفل حول العالم.

وتشير بيانات الجمعية الأوروبية للتكاثر البشري وعلم الأجنة إلى إجراء أكثر من ثلاثة ملايين دورة علاج بالمساعدة الطبية على الإنجاب سنويًا في العالم، ينتج عنها ما يقارب مليون ولادة كل سنة.

وتزداد أهمية هذا التقدم عندما نعلم أن العقم ليس مشكلة نادرة، إذ تشير منظمة الصحة العالمية إلى أن قرابة شخص واحد من كل ستة أشخاص في سن الإنجاب يواجه مشكلة العقم خلال مرحلة ما من حياته.

كيف تطورت تقنيات المساعدة على الإنجاب؟

لم تعد رحلة العلاج اليوم مماثلة لما كانت عليه سنة 1978. فقد شهد هذا المجال تطورات متسارعة شملت كل مراحل العلاج، بداية من تقييم الخصوبة واختيار بروتوكول تنشيط المبيض، وصولًا إلى الإخصاب وحفظ الأجنة ونقلها إلى الرحم.

1. بروتوكولات أكثر دقة لتنشيط المبيض

أصبحت جرعات الأدوية ومدة التنشيط تُحددان بصورة أكثر تخصيصًا حسب عمر المرأة، ومخزون المبيض، وعدد الجريبات، والاستجابة للعلاجات السابقة.

كما ساعد تطور التصوير بالموجات فوق الصوتية والتحاليل الهرمونية على متابعة نمو الجريبات بدقة، واختيار التوقيت الأنسب لسحب البويضات، مع الحد من خطر فرط تنشيط المبيض.

وبذلك انتقل العلاج تدريجيًا من البروتوكولات الموحدة إلى طب أكثر تخصيصًا يراعي خصائص كل امرأة وكل زوجين.

2. الحقن المجهري أحدث ثورة في علاج العقم لدى الرجل

كان ظهور تقنية الحقن المجهري ICSI من أهم التطورات في مجال المساعدة على الإنجاب.

فبدل وضع عدد كبير من الحيوانات المنوية بجانب البويضة وانتظار حدوث الإخصاب تلقائيًا، يقوم اختصاصي الأجنة باختيار حيوان منوي واحد وحقنه مباشرة داخل البويضة.

وقد سمحت هذه التقنية بعلاج العديد من حالات العقم الذكوري الشديد، مثل:

ولا يعني استخدام الحقن المجهري ضمان حدوث الحمل، لكنه وسّع بصورة كبيرة دائرة الحالات التي أصبح بالإمكان علاجها.

3. تطور مخابر الأجنة

شهدت حاضنات الأجنة، ووسائط الزراعة، وطرق مراقبة النمو الجنيني تطورًا كبيرًا. وأصبح من الممكن في كثير من الحالات متابعة الأجنة إلى مرحلة الكيسة الأريمية في اليوم الخامس أو السادس، مما يساعد الفريق الطبي على اختيار الجنين الأنسب للنقل أو التجميد.

كما دخلت أنظمة التصوير المستمر وبعض الأدوات الرقمية إلى عدد من المخابر للمساعدة في تقييم تطور الأجنة، لكنها تظل وسائل مساعدة لا تعوض خبرة اختصاصي الأجنة، ولا تضمن النجاح في جميع الحالات.

4. التجميد السريع أو التزجيج

شكّلت تقنية التزجيج Vitrification نقلة مهمة في حفظ البويضات والأجنة، إذ تعتمد على التجميد شديد السرعة للحد من تكوّن البلورات الثلجية داخل الخلايا.

وقد حسّنت هذه التقنية قدرة البويضات والأجنة على تحمل التجميد والإذابة، وأتاحت نقل الأجنة في دورة لاحقة عندما تكون بطانة الرحم والظروف الهرمونية أكثر ملاءمة.

وأصبح تجميد البويضات أيضًا خيارًا مهمًا للمحافظة على الخصوبة، خاصة قبل بعض علاجات السرطان أو العمليات الجراحية والأمراض التي قد تؤثر في مخزون المبيض، مع التأكيد أن تجميد البويضات يحافظ على فرصة مستقبلية ولا يمثل ضمانًا مطلقًا لحدوث الولادة.

5. التشخيص الوراثي قبل زرع الأجنة

أتاح التشخيص الوراثي قبل الزرع فحص الأجنة في حالات طبية محددة قبل نقلها إلى الرحم.

وتكتسي تقنية PGT-M أهمية خاصة لدى الأزواج الذين يحملون مرضًا وراثيًا أحادي الجين، بينما يمكن استخدام PGT-SR في بعض حالات الاضطرابات أو التبدلات الصبغية البنيوية المعروفة لدى أحد الزوجين.

لكن هذه الفحوص لا تُجرى بصورة روتينية لجميع الحالات، بل يجب تحديد فائدتها بعد الاستشارة الوراثية ودراسة التاريخ الطبي والعائلي لكل زوجين.

6. علاج أكثر أمانًا وتقليل الحمل المتعدد

كان نقل أكثر من جنين شائعًا في بداية استعمال أطفال الأنابيب، مما أدى إلى ارتفاع حالات الحمل بتوأم أو أكثر، وما يصاحبها من زيادة خطر الولادة المبكرة ومضاعفات الحمل.

أما اليوم، فقد ساهم تحسن زراعة الأجنة وتجميدها واختيارها في تبني استراتيجية نقل جنين واحد في الحالات المناسبة، بهدف الوصول إلى ولادة طفل واحد بصحة جيدة بدل زيادة احتمال الحمل المتعدد.

وتبين بيانات هيئات تنظيم الخصوبة أن ارتفاع نسبة نقل الجنين الواحد ترافق مع انخفاض واضح في الولادات المتعددة، مع استمرار تحسن فرص الولادة في العديد من الفئات.

هل أصبحت عملية أطفال الأنابيب مضمونة النجاح؟

رغم كل هذا التقدم، من الضروري التأكيد أن المساعدة الطبية على الإنجاب لا تستطيع إلغاء جميع العوامل البيولوجية المؤثرة في الخصوبة.

ففرص النجاح تختلف حسب:

ويظل عمر البويضات من أهم العوامل المحددة للنتائج، لذلك لا ينبغي تأخير تقييم الخصوبة أو العلاج عند وجود سبب طبي واضح أو عند تقدم عمر المرأة.

ولا تعني محاولة لم تنجح أن فرص الحمل قد انتهت، كما لا توجد تقنية واحدة مناسبة لجميع الأزواج. النجاح الحقيقي يبدأ بالتشخيص الصحيح، ثم وضع خطة علاج شخصية ومتدرجة، مع شرح واقعي للفرص والحدود.

مستقبل المساعدة الطبية على الإنجاب

يتجه البحث العلمي حاليًا نحو تحسين طرق اختيار الأجنة، وتطوير وسائل المحافظة على الخصوبة، وفهم أسباب فشل الانغراس والإجهاض المتكرر، وتحسين علاج بعض أشكال العقم الذكوري والقصور المبكر للمبيض.

كما تتوسع تطبيقات الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات داخل المخابر، لكن ينبغي تقييم كل تقنية جديدة وفق أدلة علمية واضحة، وعدم تقديمها للمرضى على أنها حل سحري أو ضمان للنجاح.

وفي الوقت نفسه، لا يقتصر التحدي على تطوير التكنولوجيا، بل يشمل أيضًا جعل علاج العقم أكثر أمانًا وإنصافًا وأقل كلفة. وقد أصدرت منظمة الصحة العالمية سنة 2025 أول دليل عالمي للوقاية من العقم وتشخيصه وعلاجه، مؤكدة ضرورة تحسين الوصول إلى رعاية خصوبة فعالة ومبنية على الدليل العلمي.

25 جويلية (شهر 7)… ذكرى علمية ورسالة أمل

إن الاحتفال بذكرى ولادة أول طفلة عن طريق الإخصاب خارج الجسم ليس مجرد احتفاء بإنجاز مخبري، بل هو تكريم لعقود من البحث والعمل والصبر.

فمنذ ولادة لويز براون سنة 1978، أعادت تقنيات المساعدة الطبية على الإنجاب رسم حدود الممكن، ومنحت الأمل لملايين الأسر.

ومع ذلك، يبقى الهدف الأساسي للعلاج ليس مجرد الحصول على اختبار حمل إيجابي، بل الوصول إلى حمل آمن وولادة طفل سليم، مع المحافظة على صحة الأم وكرامة الزوجين وحقهما في الحصول على معلومات طبية صادقة وواضحة.

في هذا اليوم، نحتفل بالعلم الذي حوّل حلمًا كان يبدو مستحيلًا إلى حقيقة، ونؤكد أن كل رحلة علاج تختلف عن الأخرى، وأن التقييم المبكر والخطة العلاجية الشخصية والمتابعة المتخصصة هي الركائز الأساسية لتحقيق أفضل فرصة ممكنة للنجاح.


Gynécologue Sfax


تعليقات


bottom of page